قطب الدين الراوندي

411

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

كذلك السماء والهواء والرياح والماء ، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر واختلاف هذا الليل والنهار ، وتفجر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرق هذه اللغات ، والألسن المختلفات . فالويل لمن جحد ( 1 ) المقدر ، وأنكر المدبر ، وزعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع ولا لاختلاف صورهم صانع ، ولم يلجئوا إلى حجة فيما ادعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا . وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان . وان شئت قلت في الجرادة ، إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين ، وجعل لها السمع الخفي ، وفتح لها الفم السوي ، وجعل لها الحس القوي ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض ، يرهبها الزراع في زرعهم ، ولا يستطيعون دفعها ( 2 ) . ولو أجلبوا بجمعهم حتى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه شهواتها ، وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة . فتبارك الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ، ويعفر له خدا ووجها ، ويلقى بالطاعة إليه سلما وضعفا ، ويعطي القياد رهبة وخوفا . فالطير مسخرة لأمره ، أحصى عدد الريش منها والنفس ، وأرسى قوائمها على الندى واليبس ، قدر أقواتها ، وأحصى أجناسها . فهذا غراب ، وهذا عقاب ، وهذا حمام ، وهذا نعام . دعا كل طائر باسمه ، وكفل له برزقه ، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها ، وعدد قسمها قبل الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جدوبها . ( بيانه ) « ذو قار » موضع على منزلين من صفين ، انتصرت العرب فيه من العجم

--> ( 1 ) في ب ، يد : أنكر المقدر وجحد المدبر . ( 2 ) في ب ، يد : ذبها .